السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
467
مختصر الميزان في تفسير القرآن
حسن وبشرى ، وما هذا شأنه لا يكون إلّا في ما سيأتي ، ومن المعلوم أن ليست حجة متبعي عيسى عليه السّلام الّا حجة عيسى نفسه ، وهي التي ذكرها اللّه تعالى في ضمن آيات البشارة أعني بشارة مريم ، وهذه الحجج حجج فائقة حين حضور عيسى قبل الرفع ، وبعد رفع عيسى بل كانت قبل رفعه عليه السّلام أقطع لعذر الكفار ومنبت خصومتهم ، وأوضح في رفع شبههم ، فما معنى وعده عليه السّلام أنه ستفوق حجة متبعيه على حجة مخالفيه ؟ ثم ما معنى تقييد هذه الغلبة والتفوق بقوله : إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ، مع أن الحجة في غلبتها لا تقبل التقييد بوقت ولا يوم على أن تفوق الحجة على الحجة باق على حاله يوم القيامة على ما يخبر به القرآن في ضمن أخبار القيامة . فالمراد جعل النصارى - وهم الذين اتبع أسلافهم عيسى عليه السّلام - فوق اليهود وهم الذين كفروا بعيسى عليه السّلام ومكروا به ، والغرض في المقام بيان نزول السخط الإلهي على اليهود ، وحلول المكر بهم ، وتشديد العذاب على أمتهم ، ولا ينافي ما ذكرناه كون المراد بالاتباع هو الاتباع على الحق كما استظهرناه في أول الكلام كما لا يخفى . ويؤيد هذا المعنى تغيير الأسلوب في الآية الآتية أعني قوله : وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ، إذ لو كان المراد بالذين اتبعوا هم أهل الحق والنجاة من النصارى والمسلمين فقط كان الأنسب أن يقال : وأما الذين اتبعوك فيوفيهم أجورهم من غير تغيير للسياق كما لا يخفى . وهاهنا وجه آخر وهو أن يكون المراد بالذين اتبعوا هم النصارى والمسلمون قاطبة وتكون الآية مخبرة عن كون اليهود تحت إذلال من يذعن لزوم اتباع عيسى إلى يوم القيامة ؛ والتقريب عين التقريب ، وهذا أحسن الوجوه في توجيه الآية عند التدبر . قوله تعالى : ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ؛ وقد جمع سبحانه في هذا الخطاب بين عيسى وبين الذين اتبعوه والذين كفروا به ، وهذا مآل أمرهم يوم القيامة ، وبذلك يختتم أمر عيسى وخبره من حين البشارة به إلى آخر أمره ونبأه . قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ، ظاهره أنه متفرع على قوله : فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ، تفرع التفصيل على الإجمال فيكون بيانا للحكم الإلهي في يوم القيامة بالعذاب لليهود الذين كفروا وتوفية الأجر للمؤمنين .